خادم القرآن في الصومال الشيخ علي بن عبد الرحمن الصوفي
كتبهاالكاتب الصومالي حسن البصري ، في 25 سبتمبر 2008 الساعة: 20:04 م
خادم القرآن في الصومال الشيخ علي بن عبد الرحمن الصوفي

16-02-2008
لهذا العالم الجليل تنحني الهامات عرفانا وتقديرا ،عاش عمرا مديدا تنقل خلالها بين التربية والجهاد والارتحال إلى طلب العلم تتلمذ على يديه العشرات من العلماء الصوماليين ، بل أجيال من الشباب منهم من جلس بين يديه يأخذ عنه مباشرة ومنهم من تتلمذ على تلاميذه أو استفاد من صدى دعوته .
قائد في ميادين العلم والسيف، وأحد المصلحين الكبار في الصومال آمن بفكرة إصلاح الأوضاع فكان يلازمه هم التغيير ، ما حفظ عن حياته دلَّ على إخلاصه وصدقه وإليه يرجع الفضل في إحياء القرآن وعلومه في الصومال ، القرآن تلك الروح التي بثت في جسد الدعوة الحرارة والدفء والدم الجديد ، ولهذا تدين له الصومال بالفضل.
نسبه وأسرته :
الشيخ علي بن عبد الرحمن بن حسن بن نور الأجاديني ثم العَمَريّ ، ولد في بادية بلدة فيق من أرض أجادين ،ونشأ كأحد أبناء البادية في أسرة رعوية تشتغل برعي المواشي ، وكان أبوه عبد الرحمن يحفظ أكثر القرآن وله مشاركة في كثير من الفنون العلمية
كان مكتوبا في جوازسفره أنه ولد في عام 1890 قال الشيخ عبد الرشيد : ” ولم أتثبت من صحة هذا التاريخ وربما كانت سنه كان أكبر من ذلك ” .
بدايات طلبه للعلم :
بدأ حفظ القرآن في الكتاب (الدُّكسي )في البادية على يد معلم يدعي بـ” معلم علي ” وكان من طلبة الشيخ عبد الرحمن الزيلعي المشهور في الصومال . ( الشيخ عبد الرشيد لا يؤكد ما إذا كان المعلم من طلبة الشيخ الزيلعي)
قال الشيخ عبد الرشيد سمعت الوالد يقول : ” لما بلغت الخامسة عشرة من عمري قال لي أبي الآن بلغتَ الحلم يا علي ” فخرجت من البادية وتوجهت إلى مقديشو طلبا للعلم ، وكانت تمثل أحد أهم المراكز العلمية في شرق أفريقيا ، وقبلة يؤمها طلبة العلم من سائر النواحي ينهلون من معينها ، ويتزودون منها شتى العلوم والفنون. درس الشيخ فيها علوم العصر من التفسير والفقه وعلوم العربية وكان من أشهر من تتلمذ على أيديهم في تلك الفترة الشيخ آدم يوسف المشهور بـ ” آدم عوليهن ” (نسبة إلى إحدى بطون قبيلة الأجادين تسمى عوليهن) . وأخذ الفقه عن الشيخ محي الدين بن معلم مكرم علم الصومال الشامخ في عصره ، وعنه قال أحد علماء اليمن : ” لولا العجمة لكان محي الدين أفقه من ابن حجر ” ( ابن حجر هذا هو الهيتمي وليس العسقلاني) ودرس النحو على أيدي مشائخ منهم الشيخ قاسم البراوي أحد أقطاب الطرق الصوفية في عصره درس عليه الآجرومية وغيرها من متون النحو ودرس أيضا على يده كتاب ابن أبي جمرة من متون الحديث . ومكث في مقديشو نحو عشر سنين .
كانت هذه المرحلة في مقديشو مرحلة نبوغه الأولى تلقى العلوم التي كانت سائدة في عصره .
سبب تلقيبه بالصوفي :
قال الشيخ كان الشيخ آدم عوليهن -أحد شيوخه -إلى جانب تدريسه للطلبة كان مربيا جليلا يتفقد شئون تلامذته ويربطهم بالأسر ليجدوا منها الرعاية وتلك كانت عادة [الحر] -وهم طلبة العلم الذين يبتعدون عن ذويهم إلى مناطق بعيدة – ولما كان الشيخ علي أحد طلبة الشيخ ربطه ببعض الأسر فكان الشيخ لاستغراقه في التصوف والجذب لا يضيق لرؤية مخالفة شرعية فلا يسمح لعينه أن تقع على امرأة كما لا يسمح ليده أن تمتد إلى حرام ،فكان إذا رتب مع أسرة ووقعت عينه على امرأة لا يعود إلى ذلك البيت مرَّة أخرى، ولا يشتكي أحدا فضاقت حاله جدا ، وأجهده الجوع ،فلما أُخْبر الشيخ آدم بحكايته قام في المسجد وخاطب الناس فكان مما قال : (عندنا طالب صوفي لا يطيق رؤية امرأة)وطلب من الحاضرين من يكفلني في بيت لا توجد فيه امرأة فقام رجلٌ وقال أنا أكفله في بيتي ولا يرى فيه امرأة إن شاء الله فكان يأكل مع هذا الرَّجل ولا يرى في البيت امرأة ، ومن ذلك اليوم اكتسب الشيخ لقب ” الصوفي” الذي لزم بعد.
مقديشو في ظل المستعمر الإيطالي :
كانت مقديشو آنذاك في قبضة المستعمر الإيطالي الذي صار واقعا مفروضا على الشعب الصومالي المسكين، بعد أن حلَّ بالبلاد في أواخر القرن التاسع عشر ،وكان الجو في مقديشو مترعا بالفساد مليئا بالانحراف الأخلاقي الذي كان يشيعه المستعمر الذي اتخذ لنفسه خططا ماكرة لإفساد الجيل ،وصرف الناس عن المقاومة ، وقتل الأنفة والنخوة فيهم ، وجعلهم أسرى للشهوات وقد بدأت آثار الانحراف في عهده تظهر في المجتمع بسبب تلك الجهود .
نقل عن الشيخ رحمه الله أنه قال : كان المستعمر في أحد المرات دخل على أحد المساجد واقتاد من فيه من طلبة العلم وحملهم بسيارة وأجلسهم عند جدار لمشاهدة فيلم خليع وكانت السينما بدائية في ذلك العهد تعرض على جدار تظهر فيها النساء عاريات ، وهكذا فإن من لم يأت إلى أماكن الفساد طواعية فإنه يؤتي جبرا كما كان يمارس على المواطنين شتى صنوف الإذلال حيث كان المواطن مطالبا عند ظهور أحد رجالات الإدراة الإيطالية الحاكمة أن يتسمر في مكانه كالخشب يؤدي تحية الإجلال على هيئة العسكر ولا يرخي يده إلا عند اجتيازه ، وفي إحدى المرات اتفق أن الشيخ لم يؤد التحية المطلوبة للحاكم الإيطالي عند مروره بل تجاهل وواصل سيره فقبضوا عليه وكان الذي قبض عليه جندياً صوماليا فقال له : ” إنك لا تقوى على تعذيبهم لك فتظاهر بأنك مجنون ..” ففعل الشيخ لينجي بنفسه فخلوا سبيله..
كل تلك المساوئ والمآسي التي كان يزاولها المستعمر البغيض على الشعب الصومالي مثلت عند هذا الفتى نقطة تحول في حياته وأبقت في نفسه آثارا عميقة ولَّدت في قلبه كرها عميقا للاستعمار بكل أشكاله . ولعلَّ في هذا ما يفسر لنا نزوع الشيخ القوي إلى المقاومة، وتشبعه بروح الجهاد واستمساكه بخيار المقاومة إلى آخر رمق من حياته .
وبالجملة فإنَّ هذا الجو الموبوء بالفساد دفع بالشيخ إلى الزهد والحرص على التقشف في ملبسه ومأكله بل ذهب أبعد من ذلك فخلا عن الناس بنفسه واستوحشهم ، ثم فكر في الخروج من هذه البيئة وعزم التوجه إلى اليمن.
مرَّ الشيخ –رحمه الله – في طريقه إلى اليمن بالمناطق الشرقية من الصومال حيث لقي ترحيبا من حاكم إحدى السلطنات في مجيرتينيا التي كان أحد سلاطينها بقر عثمان (من الحكايات التي رويت عن الشيخ أنه قال كان حفظ القرآن نادرا أو معدوما في تلك المنطقة وفي مناطق أخرى من الصومال فلما رأوني أحفظ القرآن كاملا عن ظهر قلب تعجبوا وتنادوا يتعجبون من ذلك فكان أن أخذ رجل منهم المصحف وأخذ يقلب الصفحات ويطلع السور الطوال ويمتحنني بقراءتها عن ظهر قلب فلما علم أني حافظ ماهر أعطاني قدرا كبير من الليرات الإيطالية فاستعنت بها ونفعتني جدا ) .
الشيخ يحط رحاله في رباط تريم بحضرموت :
ومن ميناء بندر قاسم ( بوصاصو الحالية) انطلق إلى حضرموت وقصد رباط تريم الذي كان أحد المراكز العلمية المشهورة في اليمن ، وبدأ الشيخ يدرس العلوم الشرعية ومع أنه كان درس كثيرا من الفنون فإنه درس كتلميذ مبتدأ حرصا على التمكن من اللغة العربية حتى إنه دخل مدرسة يتعلم منها تحسين الخط فكان من أحسن الناس خطا ومن رأى خطه ظنَّ أن هذا مطبوع بالآلة ، لا يحفظ أسماء العلماء الذين نعتقد أنه كانوا كثيرين والذين تربي على أيديهم الشيخ رحمه الله تعالى في رباط تريم الا الشيخ الحبيب عمر الشاطري والحبيب لقب له حيث إن العالم من السادة الأشراف يدعونه بالحبيب.
في جو تريم الهادئ والقائم على التقاليد الإسلامية الأصيلة حيث النسوة محجبات ،وأوامر الشريعة ظاهرة انتعشت نفسيات الشيخ التي كادت تنهار في ظل المستعمر الإيطالي بمقديشو وبدأ يجد في طلب العلم وقد مكث في تريم بضع عشرة سنة رجع خلالها إلى الصومال عدة مرات ،وترد –بشكل خاص-على المناطق المتاخمة لخليج عدن فزار أثناء دراسته في تريم بوصاصو ولاسقوري وتزوج فيها إحدى بنات قبيلة ورسنغلي .
وقد حدث الشيخ رحمه الله قصَّة زواجه حيث أنه لما بدأ يدرس في مدينة لاسقورى ( مدينة ساحلية مطلة على خليج عدن ) أعجب به أهلها فعرضوا عليه أن يزوجوه إحدى فتياتهم على أن يعلمهم العلوم فقال : لا أقبل ذلك إلا بشروط :-
أولها : أنكم لا تطالبوني بما يسمي عند الصوماليين بـ [يَرَدْ] ( وهو مال يعطى خصيصا لوالد الفتاة وأقاربها من الرجال وهو غير المهر ،لأن الشيخ-رحمه الله – كان يراه غير جائز شرعا وليس بخلا منه) .وثانيها : لا يدخل عليها في بيتي إلا أحد محارمها فلا يدخل عليها ابن عمها ومن في درجتهم على عادة الصوماليين الذين يتساهلون في زيارة المرأة والحديث معها ،قال الشيخ : فجاءوا لي بشاب وسيم وقالوا : نزوجك أخت هذا الفتى وهي أجمل منه فوافقت ، وقالوا نحن ندفع الـ[يرد] فإنه عنوان على شرف الفتاة وحسبها، وأما الشرط الثاني فقد قبلناه فلا يدخل عليك إلا من تحبُّ قال فتزوجتها ، وذات يوم دخلت على بيتي فإذا أنا بأحد أبناء عمومتها جالسا معها فلم أتمالك حتى انهلت عليه ضربا وركلا فعنفوه وقالوا له : ألم تسمع بشروط الشيخ ، قال : وقد كانت له خير زوجة لكنه حين طالت غيبته في الحجاز لطلب العلم خاف أن يقصر في حقها فبعث لها الطلاق ولم تنجب له . وبالجملة فأثناء ملازمة الشيخ لرباط تريم التعليمي كان كثير التردد على المناطق الشرقية من الصومال بل عاد إلى مقديشو حيث زار شيوخه ومحبيه .
الشيخ -رحمه الله -في الحجاز :
بعد تخرجه من رباط تريم رأى أنه لم يرو غلته ولا روى ظمأه من العلوم وأنه مازال محتاجا إلى مزيد من الدراسة فقصد بلاد الحرمين ينهل من معينها ويتنقل في ساحاتها يقطف من رياضها أطيب الثمار، يحني الركب أمام العلماء الأعلام الذين كانوا يشكلون صفوة من كل الأقطار الإسلامية ، وكان العالِم-وقتئذ- لا يمنع إذا كان مبرزا أن يدرِّسَ فيها ، ولم تكن هناك قيود على طلبة العلم إذا أرادوا المقام في أحد الحرمين . أقام الشيخ في الحرم المكي ودرس بشكل خاص علوم القرآن وأتقن القراءات وبرع في الحديث لكنَّ شهرته بعلوم القرآن غطت هذا الجانب وهو نفسه قد اشتغل بتدريس القرآن وعلومه عن تدريس الحديث وتخريج الطلبة عليه .
وكان الحجاز في ذلك العهد يشهد حياة بدائية لا توجد فيه سيارات ولا مظاهر حياة متطوِّرة ولا شك أن الشيخ درس على أيدي أجلة علماء الحرمين ولكن للأسف لم نتمكن من تحديد أسمائهم ، كما لم نتمكن من تحديد تاريخ عودته من الحجاز إلى الصومال ، ولكنه كان في منتصف عهد الملك عبد العزيز آل سعود .
عودته من الحجاز إلى الصومال :
بعد تخرجه على أيدي علماء الحرمين ، وتضلعه من شتى الفنون ،وبعد رحلات وجولات أوسعت نطاق ثقافته الإسلامية ، وأكسبته وعيا جعلته يسبق عصره وبعد أن أنس من نفسه أنه أهل للتدريس والقيادة الفكرية توجَّه الشيخ إلى هرر عاصمة الثقافة الإسلامية ( تذكر أن منليك امبراطور الحبشة استولى عليها قبيل ولادة الشيخ وحول أكبر مسجد فيها إلى كنيسة واضطهد أهلها وأزال الإمارةالإسلامية فيها…..)حاملا في ذهنه مشروعا نهضويا علميا فأسس فور وصوله مدرسة سمَّاها بالمدرسة السَّلفية ( ولا يقصد بالسلفية بمعناها الفكري لدى بعض المعاصرين كذا قال الشيخ عبد الرشيد راوي الترجمة) وركز على القرآن وعلومه حتى خرَّج –بفضل الله -جيلا من القرَّاء على مستوى عال خلَفه بعضهم في التدريس ، روي عن الشيخ أنه قال : زارنا هيل سلاسي ملك الحبشة فأوصيت للطلبة أنه عندما يحضرنا نقرأ عليه أواخر سورة يونس ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يؤمنون قل انظرواماذا في السموات وما في الأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون …….الآيات.﴾ وكان يجيد العربية فلما سمع امتُقِعَ لونُه وبدا الغضب على وجهه،لكنه لم يتعجَّل في رد فعله، وما لبث هيلاسلاسي أن أمر بإغلاق المدرسة وتعطيلها وواضح أن سبب إغلاقه لها يعود إلى رؤية الاستعمار الحبشي بخطورة مثل هذا النمط من المدراس التي تخرج المثقفين والطلبة الواعين على المشروع الاستعماري فالشيخ –رحمه الله – لم يكن يعلم القرآن وعلومه فحسب بل يتعدى إلى تعليم اللغة العربية والحساب والجغرافيا والخط وينفخ في طلبته روح التحرر ، ويفتح أعينهم على العالم من حولهم فيتخرجون على مستوى عال من الثقافة والوعي ، ولهذا فإنَّ أغلب تلامذته تولَّوا مناصب عليا بعد استقلال الصومال ؛ لكونهم من أرفع الناس ثقافة وكان الشيخ يتحسَّر ويقول : ” الذين ربيتهم في قوتي وشبابي مالوا إلى الدنيا أو أصبحوا أهل دنيا ” ، وبعد استمرار التضييق الحبشي على مشروعه العلمي حزم أمتعته وغادر هرر متوجها إلى مقديشو وهناك أسس الحلقات العلمية في مسجد مرواس وقد ذكر الشيخ عبد الله محمود الذي عمل سفيرا للصومال لدى السعودية وإيطاليا وكان من طلبته أن جلوس الشيخ للتدريس كان بالتحديد 1947، ثم رحل من مقديشو إلى طغحبور من كبريات المدن في أرض أوجادين لعله بدعوة من أعيانها فأسس مدرسة شهيرة مازال بناؤها قائما حتى الآن ،ولكن التضييق الحبشي منع الشيخ من مواصلة أعماله التربوية والتعليمية في وقت كانت أرجاء الصومال تهتز لطلب الاستقلال فما كان منه إلا أن بدأ يشارك حركة النضال التي بدأت بعد استقلال الصومال عام 1960 ، فقد بدأت حركات التحرر في أرض أجادين حيث رفع بعض المناضلين راية النضال والكفاح ، ويذكر أنه في عام 1964 شهدت أرض أجادين حركة نضال واسعة النطاق ،وكان الشيخ يقود إحدى أجنحة الجبهة التي قيل إن اسمها(نصر الله)حيث كان المناضل المشهور مقتل طاهر يقاتل القوات الحبشية في المناطق الشرقية بينما كان الشيخ علي صوفي يقود الجبهة في عمق إثيوبيا .
وهكذا وبعد رحلة من النضال امتدت لسنوات انتقل الشيخ –رحمه الله –إلى مقديشو حيث كبر سنه وتقدمت به مطية العمر ، وكان على عادته ينوي تأسيس مدارس علمية، وقد هيأ لمشروعه قطعة أرض كما وجد من بعض المحسنين تجاوبا طيبا ،ووعدا ببنائها وحين قامت ثورة 1969 أممت المدارس الأهلية والمعاهد العلمية القائمة ، ومنعت الشيخ من إكمال مشروعه وتأسيس تلك المدارس بحجة أنها لا تقبل مدارس تنشر ما يخالف فكرها الذي قام على الفكر الشيوعي الإلحادي المتطرف.
كل ذلك لم يمنع الشيخ من الإفادة والتدريس بل ظل يدرِّس كتب العلم في مساجد مقديشو ويركز بشكل خاص على علوم القرآن ومصنفات الحديث كرياض الصالحين وبلوغ المرام وبعض الكتب الأخرى .كما بدأ التدريس في بعض المعاهد العلمية فدرس على سبيل المثال الذي أسسته رابطة العالم الإسلامي وكان يدرس علوم القرآن التي اشتهر بها (كان ذلك قبل قيام الثورة بتأميمه وإغلاقه عام1969 ) .
تأسيس مسجد القرآن عام 1968م :
في عام 1968 أسس الشيخ مسجده الشهير مسجد القرآن حيث سماه الشيخ بذلك لكنه اشتهر فيما بعد بـ(مسجد الشيخ علي صوفي) وتلك التسمية هي التي غلبت عليه ، ومازال مسجد الشيخ علي الصوفي يتربع في مقديشو مركز الريادة وملجأ لطلبة العلم، ولا تخطئه العين في مقديشو العاصمة.
انصبت أغلب جهود الشيخ العلمية على التدريس والتربية والجهاد لهذا لم يخلف مؤلفات تذكر فقد بدأ بعض الرسائل في علوم القرآن لكنه لم يكملها وبعض الرسائل في علم اللغة كالصرف ضاعت أثناء تنقلاته الكثيرة .
بعد قيام ثورة 1969م واصل الشيخ جهوده التربوية صابرا ولم تمنعه مضايقات النظام الاشتراكي من مواصلة منهجه الذي اختطه لنفسه في التربية والتدريس والإفتاء والوعظ العام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحين قام النظام بإعدام مجموعة من العلماء جهرت بمعارضته في قرارات طائشة اتخذها تنسف أركان الدين الحنيف نسفا، فقررإعدامهم والتخلص منهم ونفذ الحكم على وجه السرعة خوفا من اشتداد المعارضة الشعبية، وبالفعل فإن تلك قد أثارت على النظام السخط بشكل عام، وقادته إلى السقوط والانهيار. وحين بلغ الخبر الشيخ –رحمه الله -استاء لذلك جدا وطال تحسره وبكاؤه عليهم ، ولكن النظام عندما رأى معارضة الشعب الشديدة رأى مصانعة العلماء الذين يتمتعون بالهيبة والشعبية ، فحاول سياد برى بالاعتذار للشيخ بعد أن عاتبهم الشيخ عتابا شديدا وقال لهم : ” هلا إذا نقمتم عليهم حبستموهم فقد كان في الحبس كفاية ” وطبيعيٌ أنَّ هذا الاعتذار لم يكن مقنعا للشيخ –رحمه الله -.
بعد حرب 1977 بين الصومال ونظام منغستو الحبشي وانطلاق الكتائب الأولى إلى ساحة القتال أراد الشيخ أن يحقق لنفسه الأمنيته التي طالما حلم بها وهي الاستشهاد في ساحة الجهاد … وقبل أن يتوجه قام في مسجده وخطب الناس وقد لبس الزي العسكري ماسكا بندقيته وقال لهم : ” هاأنا قد جاوزت الثمانين وإني منطلق إلى ساحة الجهاد وتلك فرصة عظيمة لي وأتمنى أن تتحقق لي أمنيتي التي طالما انتظرتها ” وتلك الأمنية هي الشهادة .
وانطلق الشيخ إلى ساحة القتال يقود إحدى الكتائب ورغم أنه لم يكن ضمن الجيش إلا أن خبراته القتالية العالية وتجاربه المتراكمه في النضال مكنته من القيادة على نحو فريد، فقد توغَّل في أعماق إثيوبيا يفتح جبهات جديدة على العدو ،ويحقق انتصارات ميدانية في المعارك التي خاضها ، ولكنَّ الشيخ-رحمه الله – استاء من تصرفات الجيش الذي كان يتصرف تصرفات تناقض الشرع من قتل الأبرياء وانتهاك لقواعد الشرع فعاد الشيخ إلى مقديشو وبعدها انعزل عن الناس وخرج عن السياسة وشئون العامة بشكل نهائي .
أشهر طلبة الشيخ-رحمه الله- :
تتلمذ على الشيخ مجموعات لا تحصى من الطلبة في كل المراكز العلمية التي أنشأها في هرر ومقديشو وطغحبور وأخيرا في مسجده الذي أسسه عام 1968 حيث تتلمذ عليه خلائق لا يحصون كثرة وقل أن تجد مشهورا من العلماء والدعاة ممن عاصروه وأدركوه إلا وأخذ عنه فمن مستكثر ومن مستقل ويذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر القاضي عبد الرحمن بن خليفة وعبد الرزاق محمد أبوبكر وكان من المجلس الأعلى للثورة ، والشيخ عبدللي بن محمود الذي شغل سفيرا للصومال في إيطاليا والسعودية وغيرهم الكثير من المشاهير ، والشيخ محمد عيسى المجيرتيني الذي كان عَلماً في الزهد والتقى .
صلابته في الحق وبعض مواقفه:
كان الشيخ لا يهاب أحدا في الله ، وإذا رأى منكرا لا يصبر عليه بل يبادر إلى إنكاره باليد ومن الأمثلة الغريبة الظريفة التي رويت للشيخ أنه في إحدى المرات كان مارا فسمع رجلا يسب الدين فعلاه بعصاه ضربا حتى شجه وسال منه الدم فقبض الشيخ واقتيد إلى مخفر الشرطة وعند الاستجواب قال له الشرطي : لماذا ضربته يا شيخ ؟ فقال الشيخ : إنه سب الدين فقال له : وهل أنت مسئول عن الدين فأخذ الشيخ عصاه وعلا الشرطي نفسه ضربا حتى جحز عنه البعض بعد ما أدماه وشجه ،فجاء ضابط الأمن ومسئول المركز فلما رأى الشيخ صوفي عرفه وقال للشرطي الذي ضربه الشيخ : كيف قلت هذا للشيخ ووبخه …. وموقف آخر روته فنانه معروفة (هي زينب حاجي علي بحسَن ) وقد قالت في حوار لإحدى الإذاعات تتحدث عن أصعب موقف مرَّ بها في حياتها يوم حضر الشيخ صوفي حفل زفاف ولم أتنبه به ،وبدأت أغني، فصاح الشيخ وسط الحاضرين بصوت جهوري أدى إلى انفضاض الناس عن المكان، وقالت : ووجدت نفسي وحدي في القاعة وتجمدت في مكان مصابة بالذهول لا أتحرك. ، ومثل هذا الموقف غيض من فيض من مواقف الشيخ التي يحتسب بها دائما حتى على رجال السلطة .
أخلاقه وعبادته –رحمه الله- :
كان وسيما ضخما جسيما ، وكان من عادته أنه لا يلتفت وإذا مشى تحدَّر كان –رحمه الله – ظاهر الورع،عاملا بعلمه ميَّالا إلى الزهد ، كثير الذكر ، يلازم قراءة القرآن ويختمه في ثلاثة أيام ، وخصوصا في أواخر عمره ،وأسلوبه العلمي تميَّز بالصرامة والدقة وشدة المتابعة للطلبة ، وبه حدَّة ظاهرة تعتريه .
مرض الشيخ ووفاته :
وفي سنة 1983 أصيب الشيخ بجلطة دموية حيث كان يعاني من مرض ارتفاع ضغط الدم ودخلت حالته الصحية مرحلة صعبة وصار طريح الفراش يتحسن مرَّة ويشتد عليه المرض أخرى كل ذلك صابرا محتسباً ، وبعد انهيار الحكومة المركزية الصومالية أواخرعام 1990 وأوائل عام 1991 لجأت أسرة الشيخ إلى كينيا وظل في نيروبي يصارع المرض حتى لقي ربه في 06/من شهر يونيو 1991م عن عمر يربو على المائة عام بعد رحلة عامرة بالعطاء ، حافلة بالجهاد العلمي والميداني، وقد خلَّف الشيخ 21 من الولد 11 بنتا وعشرة من الولد من أربع أمهات منهم الشيخ القارئ الداعية عبد الرشيد بن الشيخ علي الصوفي المقرئ الشهير في أرجاء العالم الإسلامي خلف أباه بعد مرضه في حلقته العلمية بعد دراسته في رحاب الأزهر الشريف وعودته إلى الصومال ،وبعد وفاة والده الشيخ علي انتقل إلى دولة قطر الشقيقة يواصل جهوده الدعوية فيها وفي سائر أقطار العالم الإسلامي . ومنهم الداعية المقرئ الشيخ عبد الحكيم بن الشيخ علي خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمعروف بجولاته الدعوية في الصومال وغيرها من البلدان . وغيرهم من أبنائه وأحفاده نفع الله بهم الأمة
ومن خلال ما سبق من الأحداث نستشف المعالم البارزة لشخصية الشيخ –رحمه الله -ونجد أننا أمام شخصية متميِّزة، ومربيا فذا، ومجاهدا صلبا ، وشجاعا بعيد الهمة لا يخشى في الحق لومة لائم، يحمل بين جنبيه همة عالية ، ونفسا تواقة إلى معالي الأمور ، أفادته الأيام خبرة ، وأكسبته رحلاته وتنقلاته بين بلاد الله حنكة حرا أصيلا ، يعشق الحرية ، يطلب لمجتمعه ولبلده الرقي والمجد رحم الله الفقيد الشيخ علي الصوفي وأسكنه فسيح جناته ،وجعلنا من الذين يحيون نهج علمائنا القويم
مرض الشيخ ووفاته :
وفي سنة 1983 أصيب الشيخ بجلطة دموية حيث كان يعاني من مرض ارتفاع ضغط الدم ودخلت حالته الصحية مرحلة صعبة وصار طريح الفراش يتحسن مرَّة ويشتد عليه المرض أخرى كل ذلك صابرا محتسباً ، وبعد انهيار الحكومة المركزية الصومالية أواخرعام 1990 وأوائل عام 1991 لجأت أسرة الشيخ إلى كينيا وظل في نيروبي يصارع المرض حتى لقي ربه في 06/من شهر يونيو 1991م عن عمر يربو على المائة عام بعد رحلة عامرة بالعطاء ، حافلة بالجهاد العلمي والميداني، وقد خلَّف الشيخ 21 من الولد 11 بنتا وعشرة من الولد من أربع أمهات منهم الشيخ القارئ الداعية عبد الرشيد بن الشيخ علي الصوفي المقرئ الشهير في أرجاء العالم الإسلامي خلف أباه بعد مرضه في حلقته العلمية بعد دراسته في رحاب الأزهر الشريف وعودته إلى الصومال ،وبعد وفاة والده الشيخ علي انتقل إلى دولة قطر الشقيقة يواصل جهوده الدعوية فيها وفي سائر أقطار العالم الإسلامي . ومنهم الداعية المقرئ الشيخ عبد الحكيم بن الشيخ علي خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمعروف بجولاته الدعوية في الصومال وغيرها من البلدان . وغيرهم من أبنائه وأحفاده نفع الله بهم الأمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























